محمد جمال الدين القاسمي
252
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ذكر في حيّز الصلة ، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة لا إلى متعلقها . بأن يقال : أتهدون إلخ للمبالغة في إنكاره بيان أنه مما لا يمكن إرادته ، فضلا عن إمكان نفسه وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي : طريقا إلى الهدى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 89 ] وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 89 ) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم ، إثر بيان كفرهم وضلالهم في أنفسهم . أي : تمنوا أن تكفروا ككفرهم بعد الإيمان فَتَكُونُونَ سَواءً أي : في الكفر والضلال فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ في العون والنصرة لئلا يفضي إلى كفركم ، وإن أظهروا لكم الإيمان طلبا لموالاتكم حَتَّى يُهاجِرُوا من دار الكفر فِي سَبِيلِ اللَّهِ فتتحققوا إيمانهم فَإِنْ تَوَلَّوْا أي عن الهجرة . فهم ، وإن أظهروا لكم الإسلام مع قدرتهم على الهجرة ، فافعلوا بهم ما تفعلون بالكفار . لأنه زال عنهم حكم النفاق بلحوق دار الكفر فَخُذُوهُمْ أي : أسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في الحل والحرم وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً أي : لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء اللّه ما داموا كذلك . تنبيهان : الأول - قال الرازيّ : دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد . وهذا متأكد بعموم قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [ الممتحنة : 1 ] . والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين . لأن ذلك هو الأمر الذي يتقرب به إلى اللّه تعالى ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة . وإذا كان كذلك ، كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة . وإذا كان كذلك ، امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه . واللّه أعلم . الثاني - يظهر لي أن الأقرب في سبب نزول هذه الآيات أعني قوله تعالى : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ . إلخ ، رواية عبد الرحمن بن عوف . كما يدل عليه سبر